عائدون بحلة جديدة

موقع قيد الانشاء

أحمــد قاسـم : الديمقراطية ترعب " الأنا " وتبنينا " نحن "


أحمــد قاسـم : 

أنا لست باحثاً في مجال الفلسقة أو الفكر الإجتماعي أو في مجال الأنظمة التي حكمت العالم منذ نشأته. لكنني أستقريء العقل من خلال التعمق فيما أفكر به نحو التعامل مع الآخر في جميع مجالات الحياة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية التي كلها تبنى على الفكر الإنساني والمجتمعي, كون الإنسان خُلِق وله عقل يفكر ويميز بين ما هو خير وما هو شر.

إن التاريخ البشري بمجمله سجل أحداث الصراعات بين المجتمعات والأنظمة والدول, وحتى بين الأفرد. نستنتج من التاريخ في استقرائاته ما وراء التاريخ, أن الذي صاحب الإنسان والمجتمع طوال مراحل نشوء البشرية هو الصراع بين " الأنا " الذي لا يسقط في ذات الإنسان, و " نحن " الذي نحتاجه لبناء حضارة إنسانية يساهم فيها الفرد والمجتمع كلٌ بما استطاع.

لقد خلق الله الإنسان مع عقل لا يتوقف عن التفكير ما دام القلب ينبض . وسكن في داخله  غرائز متعددة متناقضة تتصارع فيما بينها ما دام الفكر يعمل. وتكمن هذه الغرائز بين دائرتين متصارعتين, هما الأساسيان لتوجيه إرادة الإنسان, وهي داترة " الخير " ودائر " الشر "  تتصارعان وتتشابكان من دون توقف, ولن تستطيع أحدهما إنهاء الآخر. بل الحكمة في العقل وغريزة الإنسان المجتمعي التي تؤكد دائماً بأن ال " أنا " لذاته ولوحده لايمكن أن يستمر في الحياة, وأنه يحتاج إلى ال " نحن " المجتمعي لتكوين دائرة الأسرة وبناء المجتمع وتطويره. من هنا كان الصراع على إيجاد أنظمة تنظم العلاقات بين الفرد والأسرة والمجتمع والشعوب على مختلف انتماءاته. (...إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتتعارفوا, وإن أكرمكم عند الله أتقاكم. ) صدق الله في قوله الرائع الذي يكفر به إسلام اليوم في كل لحظة. بمعنى, أن الذي كرمه الله هو من طهر نفسه من غريزة الشرور وحب الذات وفضل نفسه على الآخرين, وبالتالي لايقبل الآخر ولا يتعرف على فكره... وكلمة لتتعارفوا يعني أن تتعلم منه من خلال التعرف على ما يفكر به لبناء المجتمع ونشر المحبة والوئام بين المجتمعات جميعاً... أما " أنا " الذي يتباهى بغطرسته وتشكيل قوة متمركزة في دائرة الشر للدفاع عن غرائزه الشريرة ضد " نحن " الذي زرع الله في حقل تواجده الخير والوئام والسلام لاينتهي إلا بإيجاد قوة مجتمعية رادعة لغطرسة وأخطار ال " أنا " والذي بارك الله بها في قوله (... إن يد الله مع الجماعة. ) ... ( إرحموا في الأرض يرحمكم في السماء.) ولا يكلف الله أحداً ولياً له في الأرض لتحديد مصائر حياة الإنسان إلا ضمن تعاقد إجتماعي يتوافق مع حرية الأفراد والمجتمعات بما هو خير لحرية الفرد والمجتمع في مجال التفكير والمعتقد والإنتماء وتكوين ثقافته وتثقيل فكره وإخراج إبداعاته تخدم الإنسان.

وبحثاً عن أنظمة تنظم هذه العلاقات الخيرة أنزل الله آياته لرشد الإنسان على الطريق القويم ويفرق له بين الخير والشر... لكن الشرور عند الإنسان لم تنتهي بل تطورت من خلال إرتداء والتقمص بالرسائل السماوية لخدمة غطرسة الفرد و ال " أنا " وإيواء المشعوزين من الفقهاءالذي حرفوا المعاني والمقاصد لخدمة الطغاة من الحكام الشريرين بين المجتمعات عمودياً وأفقياً إلى أن وصل اليونانيون بعد عناء طويل وحروب مدمرة إلى صيغة قد تنقذهم من الهلاك, فكانت الديمقراطية ( أي حكم الشعب ) حلماً لهم لتحقيق حياة تشاركي مجتمعي تؤوم فيها السلام والوئام من دون تأويل أو تفسير... إنها كانت بداية لتنوير العقل نحوحرية التفكير خارج الكنيسة وحكم الفر وكيلاً عن الله على الأرض.

ومنذ ذلك الحين تشن الحروب ضد " نحن" الديمقراطية  من قبل " أنا " الذي يطغي على عقل الحاكم بعد توليه الحكم بشكل أو بآخر ليُهزمَ " نحن " أمام قوته وجبروته. والأوائل من حاربوا الديمقراطية هم من تلبسوا عباءة الدين وأخذوا الأديان سلاحاً من أجل انتصار الشر على الخير. إنها أكبر بدعة استخدمها أولئك الذين جلبوا الويلات على المجتمعات من أجل إنتصار ال " أنا " وزرع الخوف والإرهاب في الفكر الإنساني لوقف النمو والإبداع عند الإنسان وإرجاعه إلى نظام القطيع.\

لا فرق بين إنسان وإنسان إلا بما امتلك من فكر نير ومبدع يخدم أخيه الإنسان. أما خارج هذا القول من أي كان فإنه بدعة ولو جاء من مكة أو فاتيكان أو بيت المقدس. فالإنسان مخلوق مخير مسؤول أمام الله, ولا يحق لأحد أن يحرمه من الحياة مهما كانت الأسباب... الحياة من عند الله وعدمها... الحرية من عند الله ليتحاسب الإنسان عن فعله عند الله ... أما نحن في الأرض علينا أن نختار افضل السبل لصيانة حقوق الفرد في الحياة وحرية فكره ومعتقده... ونبني أنظمتنا المجتمعية ونظام الحكم بما يختارها الشعب والمجتمع لإنتصار " نحن " الديمقراطية على " أنا " الدكتاتورية والإستبداد... من هنا ... الديمقراطية ترعب " أنا " خوفاً من ارساء ركائز " نحن " في المجتمع والدولة.
   
أحمــــــــد قاســـــــــم
الكاتب والسياسي الكوردي السوري      16\2\2013



جميع الحقوق محفوظة @ 2015 صـــوت الكـــــورد sawtalkurd .

التصميم من قبل Sawtalkurd | ألوان