الكاتب هوشنك أوسي .
حين تجد هذه الأسطر طريقها للقارئ، ربما يكون نظام معمّر القذّافي، الكاريكاتيري _ الحديدي، قد اكتسب مرتبة "السابق" ، ولحق بزميليه ، التونسي والمصري، أو صار قاب قوسين أو أدنى، من أن يصبح من الماضي الأسود والدموي للمنطقة. فهذه الديناصورات الحاكمة، الجاثمة على صدور شعوب المنطقة وثرواتها، اتضح أنها من وزن "الريشة" أمام طوفان الانتفاضات. ويبدو أيضاً أن هذه الأنظمة، الأخطبوطيّة أمنيّاً، والتنينيّة همجيّةً، حين تًكثر من قذف النار على شعوبها، فأنها تسرّع من حرق نفسها، واقتلاع الشعوب لها!. وإذا كانت هذه الانتفاضات، زادت من جرعة الأمل، بغدٍ أفضل من اليوم والأمس لهذه الشعوب، فأنها كشفت الكثير من الأقنعة وحالة الكذب والرياء والنفاق التي كانت تعانبها النخب الثقافيّة المحيطة بالسلطة. وكشفت أيضاً عن أقنعة، كانت ولا زالت ترتديها الشعوب العربيّة والمعارضات. فمع سقوط صنم صدّام حسين، لم يسقط الارتزاق والفساد الثقافي الذي كان يمتهنه الكثير من النخب العربيّة، وحتّى غير العراقيّة، لتنصيع صورة الطاغية، ومناهضة مطالب شعبه المظلوم والمسحوق. وبالتالي، شاركت تلك النخب النظام العراقي، في نهب ثروات الشعب العراقي، وعاضدت صدّام حسين على ذبح العراق والعراقيين. وبسقوط النظام التونسي والمصري، ظهرت بطانة ثقافيّة فاسدة، من الذين كانوا ينتقدون الاستبداد والفساد خارج بلدانهم، ويدعمون النظام الفاسد والمستبدّ في بلديهم. ولئن بسقوط الدكتاتوريّة لا يعني أن الدكتاتوريّة زالت، وعليه، لا يعني أن النفاق والدجل وركوب الموجة، ثقافيّاً، عربيّاً، قد زال أيضاً. لكن، ما بات في حكم المرفوغ منه، أن السقوط المدوّي، سيكون لنظام معمّر القذّافي، لجهة الوحشيّة والدمويّة التي يتعاطى بها هذا الطاغية _ "الثوري" مع سلطة الشعب المنتفض على طغمته!. سيكون سقوط هذا النظام، أكثر دويّاً من سقوط نظام زين العابدين ومبارك، وبل حتّى من سقوط نظام صدّام حسين، لما يتحلّى به القذّافي من خصال وتناسخ، حتّى في الحركات وطريقة الكلام، مع بينيتو موسوليني. وهنا، تتجلّى أشبع صور التناسخ بين المُحتِل والمُحتَل!. وبسقوط القذّافي، ستتحسس فراخ ديناصورات، في بلدان عربيّة أخرى، كراسيها التي تهتزّ, لكأن المنطقة تعيش عدوى سقوط الديناصورات، وصعود الشعوب.
والحقّ أن الشعوب العربيّة، لا تنقلب على الأنظمة _ الديناصورات، بقدر ما تنقلب على جبنها وخوفها، وتواطؤها على نفسها، وتورّطها في صناعة طغاتها. ولن تتكلل ثورة الشعب على نفسه بالحريّة والعدالة والديمقراطيّة، ما لم يطيح بكل الخرافات والاوهام التي كانت ولا زالت تلازمه. ذلك أن الشعب الذي أطاح بزين العابدين بن علي وحسني مبارك، كان يعتبر صدّام حسين وحافظ الأسد، فرسان الأمّة وأبطالها، ويستكثرون على الشعوب السوريّة والعراقيّة، المطالبة بالحريّة والعدالة والديمقراطيّة. وبل يعتبرون كل من يناهض هذين النظامين البعثيين الدكاتوريين، بأنهما خونة وعملاء الأجنبي وامريكا واسرائيل... وهكذا دواليك. هذا الطباع في سلوك الشعوب العربيّة ونخبها ومعارضاتها، يمكن سرد الكثير الكثير عنه، وتمثيلاً وليس حصراً، يمكن الإتيان ببعض النماذج:
المعارضة العراقيّة، إبان حكم صدّام حسين، كانت تعتبر نظام حافظ الأسد، نظام ديمقراطي وقومي ووطني...!، وتعتبر مطالب المعارضة السوريّة، غير مشروعة. وتتفادى الحديث عن مظالم الشعب السوري من جور وظلم واستبداد وفساد وحالة طوارئ واحكام عرفيّة...!. ونفس الأمر، ينحسب على قسم كبير من المعارضة السوريّة المتعاملة مع نظام صدّام حسين، إذ كانت تعتبر الأخير زعيماً قوميّاً عربيّاً ديمقراطيّاً، لم ولن تجنب الأمّة العربيّة مثيلاً له. وكانت المعارضة السوريّة المتعاملة مع صدّام حسين، تدين مطالب المعارضة العراقيّة، واتهمتها بما كان صدّام يتهمها!. وكذا الحال ينطبق على المعارضة المصريّة، وموقفها المؤيد من النظام الحالي الحاكم في دمشق، والسابق الحاكم في بغداد!. وبالتالي، التعامي عن مظالم ومطالب الشعوب السوريّة والعراقيّة!. وعليه، من يحبّ الحريّة والعدالة والديمقراطيّة لنفسه، عليه أن يحبّها للآخرين.
كتب شاعر وصحافي مصري، يسمّى سيد أمين، هذا الكلام: (في يوم استشهادك, أطلت قامتنا, وكعادتك, لم تخذلنا قط، فلم تضن علينا أبدا ولو حتي بروحك الطاهرة الأبية، فعشت رجلا في زمن تسيد فيه المخنثون والاشباه والاتصاف, ومت بطلا في زمن استولي عليه القرود والأقزام. عشقت عروبتك, فعشقتك, تمسكت بشيم الأولين فتنفست شجاعة عنتر وشهامة المعتصم وجود حاتم وعدل عمر وصدق الصديق ووراعة وحكمة علي ومت كما مات جدك الحسين وعلي. فما أشرف أن نحيا كما حييت وما أقدس أن نموت كما مت, عشت رمزا لكل عربي صادق ومت مبرهنا على عظمة الايمان بالاسلام.
أيا (...), يا صقر العرب, بل يا صقر العروبة، نم في جنتك قرير العين, فلعاصمة الرشيد التي أسقطتها الدسائس رجال ما هدأت لهم عين ولا غمض لهم جفن حتي يكملوا مسيرة تطهيرها من الأزلام تطهيرا كما طهرها اسلافهم من المغول والانجليز, وهو أمر لا نشك قط أنه أت لا محالة وأن سوط العدالة وزمجرة البنادق سيمزق سوط الظلم والاجرام. فلقد جعلت يا ابا الشهيدين قوميتنا - وأنت فاديها وابنها البار-تتباهي بنبتها الطيب أمام كل قوميات الدنيا، فتضائل أمام فدائك فداء ديجول فرنسا وماوتسي تونج الصين وتشي جيفارا اللاتيتي ولومومبا الافريقي وهتلي الألماني وبوليفار الكولومبي وسبارتكوس الاغريقي).
ويواصل الشاعر الشاب مرثيته: (فقالوا عن حزمك طغياناً، وشجاعتك وإقدامك ديكتاتورية، وعدالتك تسلطا، وحبك للعروبة سفها، ورفضك للخنوع تهورا، وعدم خيانتك لوطنك غباءا)، ويزيد الشاعر الشاب في مديح قدوته الدمويّة، ومقته لضحاياه بالقول: (وها هم اللصوص، الذين انبريت بكل شهامة ومروءة في محاربتهم في حملة الأنفال، ينهشون العراق لحما وعظما ودما، ويحكمونه بالتفجيرات والاباتشي الأمريكية والمليشيات الإيرانية، وها هم ابناء العراق النشامى ونسائه الماجدات الآن ينتظرون في لهف ولادة (... ...) جديد يقود العراق للتحرر من العصابات الحاكمة والميلشيات الإيرانية والمارينز الأمريكي).
المخصوص بهذا الكلام، هو أوّل حجارة الدومنيو، من الديناصورات العربيّة، الذي استقبل العالم العربي والاسلامي الألفيّة الثالثة بسقوطه في9/4/2003، وهو صدّام حسين!. هذا الشاعر الشاب، يزعم انه من أنصار انتفاضة الشباب والشعب المصري على دكتاتوريّة حسني مبارك، ويقتدي بطاغية أكثر شراسة ووحشيّة من مبارك، فهل نحن أمام حالة فصام أم نفاق؟!. وقد يقول قائل؛ هذه عيّنة لا تمثّل إلاّ نفسها. بل ثمّة عشرات الأمثلة في مصر وتونس ولبنان وفلسطين، من هذه الطينة، وبأسماء أكثر فخامة. فكبير المحللين الاستراتيجيين في قناة "الجزيرة" القطريّة، البرلماني السابق في الكنيست الاسرائيلي، عزمي بشارة، مناهض لحسني مبارك، وصديق لحافظ الأسد ونجله الحاكم، ولصدام حسين!. وغسان بن جدو، مناهض لنظام مبارك، ومدافع عن النظام السوري!... فكيف يستقيم هذا الموقف فيمن يرفض الدكاتوريّة في مكان، ويدافع عنها في مكان آخر!؟ وهل يعبّر هذا السلوك عن حالة سويّة وصحيّة لدى الشعوب العربيّة!؟. هذا الجانب أيضاً يجب الخوض فيه، أثناء الخوض في منافع وثمار الثورات العربيّة الجديدة على الانظمة الدكاتوريّة.
بسقوط القذّافي، وهو ساقط لا محاله، تنتعش الآمال في الديمقراطيّة. وإذا كانت أولى حجارة الدومينو قد سقطت في تونس، فلن تكتمل اللوحة الإ بوصول الضغط على باقي الحجارة في طهران وأنقرة، وتطوى صفحات الانظمة _ الديناصوريّة، وتتأكّد حقيقة أن الأنظمة الاستبداديّة في الشرق الأوسط فشلت في إسقاط الشعوب. إنه التاريخ يا عزيزي، عاد لمزاولة مهنته، في تكنيس الأوطان من الديناصورات وتركاتها الدمويّة. فلا زال لمزبل التاريخ مستّع لضّم نماذج من طينة الصدّاميّة والقذّافيّة والتجاديّة...، وحواشيها.

كاتب كردي سوري
بروكسل