محمود خليل :
مهما تكن الأمور ظاهرة للعيان, من قضايا شائكة ومتصدرة للأعلام والفضائيات في منطقة الشرق الأوسط,, مثل ,الصراع العربي الإسرائيلي, والموضوع النووي الإيراني, والثورات العربية "الربيع العربي",مع أنها مواضيع- ليست بقليلة
الأهمية – بقدرما هي – ثانوية وليست محورية كما روج لها منذ مدة – أمام تصاعد المد التحرري الكوردي في المنطقة,وأهمية واقع ما يربو على أكثر من 50 مليون كوردي في المنطقة, يعيشون حالة إنكار وإبادة مرنة- موت رحيم- من من قبل الحكومات والدول المتقاسمة لوطنهم.
تلك القضية "القضية الكوردية" والتي أضحت واقعا ملموسا, تشكل صداعا حقيقياَ لتلك الدول .
فتركيا,التي بدأت لعابها تسيل على الأسواق في البلاد العربية ,بعد أن تيقنت تماما- صد أبواب- "البيت الأوربي" في وجهها,وبعد إن وصول -الإسلام الناعم- في الأناضول إلى- السدرة - في العقدين المنصرمين وبمباركة وتشجيع الولايات المتحدة الأمريكية ,وقد أرادت الأخيرة إن تجعل تركيا "الأنموذج"الإسلامي المعتدل لباقي دول المنطقة,ووفق هذه الرؤية ,بدأت تركيا تتحرك - يمينا وشمالا- ببعض الاستعراضات تجاه الدول التي تجري فيها- الثورات الشعبية- وقد نجحت نسبيا في استمالة بعض القوى العربية في كلا من مصر وليبيا في البداية,إلا أن سياستها تقهقرت "تخو زقت" في الموضوع السوري, مربط الفرس و- الفوبيا الكوردية-. لقد رأينا التخبط الشديد في مسار السياسة –الخارجية- التركية تجاه الوضع السوري المربك,فكلما اشتدت وتفاقمت الأزمة كلما ضاق الخناق على –ازدواجية- السياسة التركية,فمن جهة, تزود تركيا-بالقطارة- المعارضة المسلحة السورية, ذات الطابع الإسلامي,بالأسلحة والمعدات والمواد اللوجستية المحدودة والمقننة, بقدر ما تتلقى الرسائل السرية من طهران ودمشق ومن ورائهما موسكو- رسائل- مفادها :"لا تجبرنا أن نخرج من طورنا فلدينا الكثير, نستطيع عمله ضدك,ضد تركيا- "وأولها تحريك الملف الكوردستاني وتزويده بالأسلحة اللازمة, وخاصة, مضادات الطيران - -sam7 الروسية الصنع.
كانت السياسة التركية ومنذ البداية - الأزمة السورية- كانت ترمي إلى الحفاظ على النظام, عبر,سياسة, أسَلحَة الثورة السلمية ,من خلال تزويد المعارضة السورية بالأسلحة- الخفيفة- بحيث تستطيع أن تدافع عن نفسها ولا تشكل خطرا حقيقياَ على النظام في دمشق , وكانت هذه السياسة مثل – الطنجرة التي لقت غطاها- لصالح النظام و"وفق رؤية "دعونا نرى ماذا سيحصل فيما بعد " استمرت تركيا طوال سنة ونيف مع الملف السوري بهذا الشكل .
وبالمقابل عمل النظام السوري- رداَ على تركيا - على غض الطرف من أنشطة أحزاب الحركة الكوردية في المناطق ذات الأغلبية الكوردية السورية, المتاخمة لتركيا -خاصة- الموالية لحزب العمال الكوردستاني, العدو التاريخي اللدود لتركيا,هذه الجدلية جعلت "أرجل" تركيا وسياساتها مغموسة في الوحل السوري,ولا تستطيع الخروج منها إلا مهزومة.
عندما يقول الكثير من المحللين :سوف لا يخرجُ أحدٌ - منتصراَ- من هذه الثورات "الربيع العربي" سوى الكورد,فهم على حق ,ويعتبر تحليلا واقعيا.
لقد شكلت القضية الكوردية,وبعد الحرب التقسيمية الأولى, العامل الرئيس لصعود الأحزاب الشمولية - ذوا الصبغة العسكريتارية- "حزب البعث" في كل من العراق وسوريا ,والكمالية الإقصائية,والحكومات العسكرية المتتالية في تركيا,وإيران التي, حاولت دائما, تصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج ,عبر حروب مع العراق -خاصة- ولمدة نصف قرن تقريبا ,وقد عملت هذه الدول منفردة ومتضامنة ومتكافلة على سياسة,فحواها, إمحاء الوجود الكوردي,التتريك وتسمية الكورد بأتراك الجبال,واستعمال سلاح الدمار الشامل في العراق"حلبجة",وإيران التي تتعامل مع الكورد على أنهم بدو الفرس ,وسوريا"البعث", تعاملت معهم عبر سياسة تعريبهم وتغير"ديموغرافية" مناطقهم - الحزام العربي العنصري-
منذ تأسيس الدولة العراقية وبعد الحرب التقسيمية الأولى خاصةً,لم تستقر هذه الدولة يوما ,فقد عاشت اضطرابات و حروب مستمرة ,داخلية وخارجية,وكان الكورد وقضيتهم محور هذه الاضطرابات"ثورة الشيخ محمود الحفيد ,الشيخ عبدا لسلام البر زاني "انتفاضة البر زانيين" الأولى والثانية وثورة أيلول,و"حرب الخليج الأولى والثانية", وهذا ينطبق على تركيا وسوريا وإيران بشكل أو بآخر.
وفي المحصلة,كان الكورد - العامل الأساسي- لعدم استقرار هذه الدول"المتقاسمة لأرض الكورد" , وبالتالي انعكاساتها على الشرق الأوسط برمته وعلى العالم.
محمود خليل.
تم النشر في 15,33 28|09|2012
