
نوري بريمو
بتاريخ 25 ـ 12 ـ 2010م، وعلى مبدأ: شهد شاهد من أهل الحكم!؟، أجرت فضائية (الدنيا) السورية الغير حكومية والموالية للنظام في نفس الوقت ، ريبورتاجاً تلفزيونيا تضمّن مقابلات ميدانية حية مع عدد من المواطنين السوريين من جميع المحافظات السورية لا على التعيين، حول أزمة الوقود وخاصة المازوت الذي صارت أسعاره مرتفعة وقد يغلى سعره مرة أخرى، في حين لم تفي الحكومة بوعودها لتزويد أرباب الأسر بالقسيمة التموينية الخاصة بكيفية توزيعه عليهم، مما أدى ويؤدي إلى استحالة اقتنائه من السوق السوداء لضعف القدرة الشرائية للمواطن العادي وخاصة لذوي الدخل المحدود لا بل المعدوم في ظل جور السلطة واغتصابها للوارد والصادر من الميزانية والموارد. ورغم أنّ وجوه وأسماء وشرائح المتحدثين قد اختلفت من شخص إلى آخر من حيث الشكل لا المضمون، ورغم أنّ معظمهم كانوا متلعثمين ومترددين وخائفين من الإدلاء برأيهم بصراحة خوفا من التداعيات الأمنية التي قد تترتب على عاتقهم فيما بعد، إلا أنّ مجمل أقوالهم وآراءهم كانت معبرة عن رأي الشارع السوري وقد انصبت في خانة واحدة عنوانها إطلاق نداءات استغاثة إنسانية للتخلص من القحل المعيشي الذي يعكر صفوة حياتهم، وقد كان منطلقهم واحدا ومبنيا على مبدأ الحاجة أمُّ المطالبة لا بل المجازفة بقول كلمة الحق في وجه سلطان جائر، حيث أجمع كافة المتحدثون على وصف واقع حالهم بالمزري والغير مطاق جراء فقرهم المدقع وصعوبة حصولهم على قوتهم اليومي لسد الجوع الكافر المداهم لأسرهم، وعلى وقود التدفئة لمقاومة البرد الغازي للديار والذي بات يشكل عبئاً إضافيا على أرباب العوائل الفقيرة التي يحق لها أن تحسب أكثر من حساب لتقي أفرادها من التعرض لأمراض الشتاء الذي لا يرحم الجياع والعراة والحفاة والمحرومين بفعل فاعل سلطوي من التدفئة والتنعُّم بنعمة النار التي وصفها أهلنا الأولين بـ ((فاكهة الشتاء)) التي وهبها الله سبحانه وتعالى للبشر ليحتموا بمدفئها وليقوا أنفسهم من مختلف بلاوي وعلل البرد. لسنا هنا بصدد تكرار ما قاله أولئك المواطنين الذين عبّروا عن معاناتهم وعما يدور في دواخلهم بجرأة لفضائية الدنيا المشكورة على تقديمها لهكذا برنامج يصف أحوال أهل سوريا الواقعين بين مطرقة السطوة السلطوية وسندان العوز والحاجة، لكنّ خلاصة أقوالهم أكدت للملأ بأنه في سوريا الغنية بالزراعة والمياه والموانئ والسياحة والصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقات البشرية و...إلخ، قد احتل الفقر فيها محل الغنى، وأصبح الجوع ـ مع الأسف ـ سيد الموقف وطاغ على سيرورة حياة الغالبية العظمى من المواطنين الذين باتوا يعيشون تحت خط الفقر بدرجات يرثى لها الجبين، جراء ضعف القدرة الشرائية الناجمة عن الخلل الفاقع الحاصل في معادلة التوازن بين الأجور والأسعار حيث لا تزال الأولى منخفضة منذ سنون والثانية مرتفعة بجنون، خاصة وأنّ متوسط دخل الفرد السوري يبلغ حوالي (7000 ليرة فقط أي ما يعادل أقل من 150$ دولار للشهر الواحد ) فبأي حال وكيف يمكن لهذا الفرد الفقير أن يواجه غول الفقر؟!، وماذا بإمكانه أن يفعل حينما يجد نفسه مفلساً ومدينا ومضطرا للهجرة إلى الخارج أو إلى كبريات المدن السورية وفي مقدمتها دمشق التي باتت محاطة بمخيمات الكورد الهاربين من مخالب المجاعة الناجمة عن المظالم العنصرية التي تلاحقهم منذ عقود مرت عجافا على كافة المناطق الكوردية وخاصة منطقة الجزيرة التي تقاسي الأمرّين؟!، وأين المفر حينما لا يستطيع الإنسان أن يوفر مأكل ومشرب ومسكن وعلاج وأبسط مستلزمات معيشة أسرته التي لا معين لها سواه؟!, خاصة وأن البطالة طاغية وفرص العمل نادرة والنظام يحارب المواطنين بلقمة عيشهم وفيروس الفساد والإفساد لا طائل عليهما والحريات الأساسية معدومة والسفر إلى الخارج بقصد العمل بات صعب المنال وممنوعا ومحفوفا بمخاطر التحقيقات الأمنية التي تلاحق الناس وتستجوبهم وتعتقلهم بشكل تعسفي وتحاسبهم على قيامهم وقعوده وخروجهم ودخولهم؟!, ولعلّ العمال العائدون إلى ذويهم من لبنان والأردن وتركيا وإقليم كوردستان و...إلخ، هم خير الشهود على التحقيقات التي تتم معهم والاتهامات التي تُلصَق بهم زورا فور دخولهم الحدود رغم المعرفة الأكيدة بأنهم يقصدون تلك البلاد بحثا عن الرزق وليس لأي سبب أخر؟!. أما بالنسبة لأولئك المواطنين القليلين المحظوظين بفرص الحصول على وظيفة حكومية, فلم تعد أحوالهم أفضل من أقرانهم المحرومين من تلك الفرص التي باتت نادرة وحكرا على نسبة ضئيلة من سكان البلد، فراتب الموظف متدني ولا يكفيه ولم يعد يسنده في تلبية حاجات أسرته, خاصة وان أسعار المواد الأولية صارت في العلالي ولم تعد سياسة شد الأحزمة على البطون مجدية لان مفعولها صار باطلا بفضل تقدم وسائل الإعلام والفضائيات التي تنقل للمواطن السوري أدق تفاصيل حياة الناس في البلدان الأخرى التي توفر لمواطنيها مختلف وسائل العيش والراحة والأمان. في الحقيقة إن ما يجري حاليا في سوريا كان متوقعا منذ سنوات, أي منذ أن كانت قوى المعارضة السورية تدق ناقوس الخطر وتؤكد بأنها تخشى من أن يخسر المجتمع السوري مقوماته الإنتاجية ويتحول إلى مجتمع استهلاكي لا حول له ولا قوة, وبالفعل وقع الفأس في الرأس وحصلت الأزمة وتعمّقت وبات كل أهل سوريا استهلاكيين بفعل عوامل سلطوية فوقية وفاقدة لأية خطط تنموية منقذة، وبفعل عوامل أخرى طبيعية ناجمة عن موجة الجفاف التي ألحقت أفدح الأضرار بالمواسم الزراعية، مما أدى ويؤدي إلى الوقوع في مستنقع الجوع الكافر الذي قد يدفع بضحاياه ليتجاوزوا جدار الرعب السلطوي الذي لا يزال يرعب جياع سوريا. في كل الأحوال ينبغي أن يبقى التفاؤل سيد الموقف وليس على الشعب السوري سوى أنْ يتحمل الأعباء والمصاعب، وأن يحتمل كافة الاحتمالات ريثما يحين حين التغيير الديموقراطي المنشود الذي من شأنه الإتيان بدولة الحق والقانون والدستور على طريق تحويل سوريا إلى فضاء ديمقراطي خال من الحفاة والعراة والفقراء والتمييز القومي والطائفي