أحمــد قاســــم :
ثمانية عشر شهرا،ً سوريا تدمر، والشعب السوري يذبح بغياب اتفاق دولي من جهة وعدمية اتفاق بين المعارضات من جهة أخرى، والمظاهرات تعم المدن، وجيش الحر الذي تشكل نواته الأولى من المنشقين من الجيش السوري لينضم إليه كل من يريد القتال ضد النظام، وليتكاثر هذا الجيش إثر تشكيل العديد من الكتائب وبأسماء مختلفة . إلا أن
ما يشد انتباهنا هو إشكالية تعددية مراكز القرار لهذا الجيش، وليفتح المجال أمام العديد من التنظيمات للتشكل أو الدخول الى سوريا تحت يافطة الجيش الحر بحجة القتال ضد النظام، مم جعل الخوف يختلج في أذهان العديد من مكونات الشعب السوري مع غياب مشروع سياسي لمستقبل سوريا. والأهم من ذلك، سيطرة العقلية الجهادية في العديد من مراكز القرار للمجموعات المسلحة بواسطة المال الذي يستخدم من اجل تنفيذ سياسات قد تؤذي لحقيقة الثورة اولاً وتسيء الى مستقبل سوريا من جهة ثانية. إن عدم إتفاق المعارضات على ماهية مستقبل سوريا تجلب المخاطر وتوصل سوريا الى حالة التدمير الذاتي، وبالتالي تخدم النظام بشكل أو بآخر وتشجعه على ارتكاب المزيد من الجرائم من دون أن يفكر بنتائجه عدا عن أنه متشبث بقراره نحو المزيد من الحرب والقتل والتدمير وتهجير كل من يعارضه إن لم تطاله الموت.
إذاً ، نحن أمام مشهد مدمر للحالة السورية. النظام فقد شرعية البقاء، مع عدم وجود البديل لإستلام الحكم. النظام يتعامل مع الحدث وفقاً لقراره من دون أن يتراجع مهما حصل، وهو : إما قبول النظام مع تعديل في الشكل، أو الحرب الى النهاية مهما كانت النتائج. أما المعارضات تتوزع بين أجندات دولية وإقليمية لتفقد استقلاليتها في اتخاذ القرار منذ نشأتها. حيث ان هذه المعارضات التي تفتقد شرعية التمثيل الحقيقي للثورة الحقيقية لا تستطيع تأمين الغطاء السياسي للثورة، وبالتالي تعجز أن تفرض واقعاً شرعياً للثورة والتأثير على القرار الدولي من خلال الإلتفاف حول مشروع متكامل لمستقبل سوريا تؤمن فيها حقوق الفرد والجماعات وكافة المكونات التي يتشكل منها الشعب السوري. إن أية ثورة تفتقر الى مشروع ثوري متكامل لمستقبل لبلاد تتحرك وسط دوائر خطيرة ومدمرة، لأنها لا تستحوظ الى خطوط التقارب بينها وبين الشعب على انها تمثل إرادة الشعب من جهة، ومن جهة ثانية لاتكتسب ثقة الدول النافذة في مجلس الأمن والأمم المتحدة، كم هي الحال الآن.
وسط هذا المشهد الواقعي والمؤسف تتحرك قوات النظام لترتكب المزيد من التدمير والمجازر الجماعية لتخلف ورائها التدمير ومئات من القتلى والجرحى يومياً، عدا عن تهجير الملايين حتى الآن، في الوقت الذي يعجز المجتمع الدولي ردع هذه القوات، وعدم اكتساب المعارضات ثقة الشعب السوري بمكوناته المختلفة لتلعب الدور السياسي والدبلوماسي، وكذلك الجيش الحر الذي يفتقد هو الآخر مجلساً قيادياً موحداً يدير العمليات ويحافظ على السلم الأهلي، في الوقت الذي تؤكد المعلومات على أن هناك تشكيلات مسلحة تنشأ خارج دائرة كتائب الجيش الحر، وخصوصاً جماعات سلفية وخلايا من منظمات القاعدة ، عدا عن مسلحين من حزب الله اللبناني وفيلق بدر العراقي وكتائب من الحرس الثوري، بالإضافة الى متطوعين يأتون من خارج سوريا بدافع الجهاد ضد نظام طائفي حسب اعتقادهم. كل ما ذكرناه توحي بأن المشهد السوري ذاهب باتجاه الفوضى المنظمة تدفعه العديد من الجهات الدولية وبالتوافق مع اجندات النظام للانقلاب على الثورة قد ينقذ النظام من السقوط وإخضاعه مقابل ذلك للمساومة وتنفيذ سياسات تؤمن مصالح تلك الدول في المنطقة، وخصوصا في سوريا ولبنان وما تترتب عليها من اجندات تحافظ على أمن إسرائيل من خلال عقد صفقة مصالحة بين سوريا وإسرائيل، والإنتهاء من الصراع الدائر بين العرب والاسرئيل منذ ولادة دولة إسرائيل، حيث أن سوريا كانت رأس الحربة لذلك الصراع، وأن المنطقة لاتعرف الإستقرار منذ أكثر من ستة عقود، وقد تترتب على هذه الصفقة إيجاد حل لصراع المجتمع الدولي مع إيران أيضاً.أعتقد أن ما يجري في سوريا تجاوز الصراع بين الشعب والنظام، ليتحول الى صراع دولي على الساحة السورية والشعب لسوري هو من يدفع فاتورة هذا الصراع.
مع قرائة هذا المشهد، على الكورد أن يحدد موقعه من الصراع أولاً، ومن ثم تحديد اولوياته الإستراتيجية تجاه التطورات المتسارعة على المشهد وتحصين جبهته في ظل المخاوف التي تحاصرنا من جميع الجهات، أقلها الحرب الأهلية، التي وكأننا نعايشها.
كان المطلوب من الكورد الخطوات التالية:
1 ـ الإسراع في توحيد قواه من خلال الإتفاق بين الأحزاب الكوردية العاملة على مشروع قومي ووطني يكتسب موافقة غالبية الشعب الكوردي. وهذا ما يترتب على الحركة السياسية الكوردية ومنظمات المجتمع المدني في المناطق الكوردية أن تعقد مؤتمراً قومياً شاملاً لدراسة مثل هكذا مشروع وإيجاد آليات ومؤسسات لتنفيذ ما هو الأهم حسب الأولويات. ومن ثم تشكيل هيئة تنفيذية في المؤتمر لمتابعة تنفيذ ما أقر في المؤتمر.
2 ـ العمل على التفاهم مع المعارضة الوطنية من خلال طرح مشروع وطني شامل لمستقبل سوريا، والمشاركة الفعالة من أجل توحيد صفوف المعارضة الوطنية من العلمانيين واللبراليين بعيداً عن الطائفية والعنصرية مع مراعاة حقيقة مكونات الشعب السوري القومي والطائفي لتشكيل معارضة تمثل إرادة الشعب السوري وقواه الثورية ، ولتحديد ملامح سوريا المستقبل بعد سقوط النظام. عندها فقط سيلتزم المجتمع الدولي بنصرة الثورة السورية ومطاليبها المحقة، وعندها فقط سيسقط النظام وسينتصر الشعب وقوى الغدر معاً، وسننتصر نحن الكورد مع انتصار حقيقي لشعوب سوريا ،كوننا نحن جزء من هذا الوطن والشعب معه ، فإن سقط الوطن والشعب سنسقط معه، وإن انتصر سننتصر معه.
3 ـ التحسب الى ما هو أسوأ، والعمل على إيجاد آليات ومجموعات عمل، مهماتها الحفاظ على السلم الأهلي في المناطق الكوردية، وتقديم الخدمات، أهمها الخدمات الطبية وتأمين المواد الغذائية، وكذلك تأمين حاجيات المهمة لإستمرارية الحياة بعيدة عن الأخطار والكوارث جراء الفوضى والحروب الأهلية إن عمت البلاد. وهنا على الأحزاب أن يتراجعوا عن المحاصصات والصراعات الحزبية لتفادي المخاطر التي تحوم من حولنا.لأن الشعب هو من يؤمن القوة لتمكين الأحزاب وليس العكس، فعلى الأحزاب أن يضعوا مصلحة الشعب نصب أعينهم لا مصلحة أحزابهم، كما نشاهد الآن ومع الأسف الشديد.
وبعد هذه القراءة، أطالب كافة الأحزاب الكوردية ومجالسهم الموقر مراجعة كافة قراراتهم والتحضير الى مؤتمر أكثر شمولية وأكثر فاعلية يؤسس لمجلس شامل موحد متفهم على مباديء تخدم الوطن والمواطن في هذه الظروف الدقيقة التي تهدد الوطن والمواطن لإنهاء وجوده. فهل يبقى الحزب عندما ينتهي المواطن؟
أحمـــــــد قاســــــــم
الكاتب والسياسي الكوردي السوري 22\9\2012
